Dubai Government

دراسة لمجلس دبي الاقتصادي تستكشف مصادر النمو في دبي

سبتمبر 17, 2011

أعد الكادر التنفيذي لمركز السياسات الاقتصادية والأبحاث دراسة تتناول العلاقة بين النمو الاقتصادي وهيكل الصادرات واستراتيجية التنمية في دبي. وتأتي هذه الدراسة في إطار سلسة أبحاث السياسات الاقتصادية التي يضطلع بها المركز والتي تركز على قضايا الاقتصاد الكلي ذات الأهمية الاستراتيجية للاقتصاد المحلي. 

أما المنهجية التي تبنتها الدراسة فهي المقارنة بين دبي من جهة واقتصادي سنغافورة وهونج كونج من جهة أخرى نظراً للسمات المشتركة بين هذه الاقتصادات، مثل عدد السكان، وارتفاع نصيب الفرد من الناتج المحلي، والموقع الاستراتيجي كمركز للخدمات التجارية والمالية، فضلاً عن تزامن تجاربها التنموية في مطلع السبعينيات، وتدفق العمالة الوافدة اليهما، وتعدد الخلفيات الأثنية في التركيبة السكانية، بيد أن اقتصادي سنغافورة وهونج كونج يختلفان عن اقتصاد دبي بوصفهما قد سجلا ارتفاعات مشهودة في الانتاجية الكلية والتي كانت بمثابة الرافعة لنموهما رغم انخفاض كل من التراكم الرأسمالي ومعدل نمو العمالة فيهما.

وأستهلت الدراسة باستعراض تطور معدلات النمو الاقتصادي في دبي منذ السبعينيات من القرن الماضي وحتى عام 2008. كما قامت الدراسة بتحليل مصادر النمو الاقتصادي لدبي، مشيرة الى أن هذه المصادر هي توليفة من التراكمات المادية والرأسمالية، اضافة الى العمالة، والانتاجية الكلية لعوامل الانتاج. وقد تبين ان النمو الحاصل في رصيد رأس المال والعمالة قد سار موازياً للنمو الحاصل في الناتج المحلي الاجمالي للإمارة خلال العقود الثلاثة الماضية.  وتؤكد الدراسة بان الانجاز الذي سجلته دبي على صعيد معدل نموها الحقيقي إنما يعكس النمو الحاصل في مختلف القطاعات المؤلفة لاقتصاد الامارة. وقد صاحب هذا الأداء ارتفاع في معدلات التوظيف تزامن معها نمو مستمر في رصيد رأس المال.

علاوة على ذلك، أوضحت الدراسة أنه بينما كان التوسع في النشاط الاقتصادي في الامارة ملفتاً، فقد لوحظ أن حصة العامل من الانتاج لم ينم بنفس المنوال بسبب الأعداد الكبيرة والمتزايدة من العمالة الوافدة الذين قدموا الى دبي . وتنسب الدراسة هذه الظاهرة الى انخفاض انتاجية العامل وكذلك انتاجية عوامل الانتاج الكلية في الامارة نظراً لأن نسبة كبيرة من العمالة الوافدة قد تركزت في قطاع البنية التحتية والذي لا يتطلب عادة مستويات عالية من المهارات والمعرفة التكنولوجية مقارنة ببقية القطاعات كالصناعة مثلاً. أما في الاقتصادات الناشئة والمتقدمة، فالحال يختلف حيث شهدت هذه الاقتصادات نمواً مطرداً في انتاجية العامل، والتي رغم ما تعرضته من تقلبات في بعض السنوات الى أن اتجاهها العام كان نحو الارتفاع. وفي هذا المجال، تنوه الدراسة الى الأهمية الكبيرة لإعادة النظر في السياسات الاقتصادية والعمالية بالاتجاه الذي يرفع من مستوى انتاجية العامل.

كما أفادت الدراسة بان الانتاجية الكلية كانت حساسة للارتفاع الكبير في حجم الانفاق العام لاسيما إبان الفورتين النفطيتين الأولى (1978-1979) والثانية (2002-سبتمبر 2008)، اضافة الى الازدهار الملفت الذي شهده قطاع العقار في نهاية العقد الماضي. من هنا، تفيد الدراسة أنه باستبعاد قطاعي النفط والعقار فأن الانتاجية الكلية تعد متباطئة كثيراً.

وأوضحت الدراسة أن دبي قد استطاعت أن تعيد هيكلة اقتصادها بنجاح، وتجسد ذلك بصورة رئيسة في انخفاض اعتمادها على النفط. ثم أثارت الدراسة تساؤلاً مفاده "كيف يستطيع اقتصاد مثل دبي لايزخر بالموارد الطبيعية أن يحقق مثل هذا الأداء الاقتصادي المتميز؟  وتجيب الدراسة على هذا التساؤل بأن الامارة تمتلك عدداً من القطاعات القيادية مثل السياحة والتجارة والخدمات المالية والخدمات اللوجستية والتشييد والنقل والتي شهدت جميعها نمواً متواصلاً خلال العقود الماضية. بيد أنه وبالمقابل شهدت قطاعات أخرى انكماشاً مثل المرافق العامة والخدمات الحكومية رغم الارتفاع النسبي الحاصل في معدلات نمو الاستثمار والتوظيف فيهما.

ولاحظت الدراسة أن الانتاج شهد نمواً سريعاً خلال العقد الماضي، وكما هو الحال معدل نمو التوظيف، والتراكم الرأسمالي. وعلى نحو محدد، ازداد معدل النمو السنوي للقيمة المضافة للتجارة من 6.3% في التسعينيات الى 28.7% خلال العقد الماضي، أي نما لأكثر من أربع أضعاف، وبالنسبة لقطاع التشييد من 7.3% الى 17.5% أي نما لأكثر من ضعفين خلال الفترة ذاتها. أما بالنسبة لمستويات انتاجية العامل على الصعيد القطاعي، فقد لوحظ انه في كل من قطاع التجارة والقطاعين المالي والعقارات كان المستوى سالباً خلال فترة التسعينيات. وفي قطاع الخدمات العامة (مثل الماء والكهرباء والغاز) كان المستوى راكداً خلال الفترة المذكورة ذاتها مقارنة بما شهده من نمو كبير في كل من سنغافورة وهونج كونج. ويتضح من ذلك ان معدلات النمو الاقتصادي لدبي خلال العقد الماضي قد تأثرت بصورة كبيرة بالنمو الحاصل في القطاعات غير التجارية.
ثم تطرح الدراسة سؤالين استراتيجين، أولهما: هل ثمة فرص مستقبلية للمزيد من النمو؟ وثانيهما، هل بوسع الأسواق الخارجية أن تصبح محركاً للنمو الاقتصادي لدبي؟ وفي هذا الاطار تفيد الدراسة أن قطاع التصدير في دبي قد شهد نمواً متواصلاً خلال العقدين الماضيين. حيث ازداد بمعدل بلغ 33% سنوياً. كما ازداد معدل نمو إعادة التصدير حوالي 38% خلال الفترة ذاتها.

ثم ركزت الدراسة على أصناف المنتجات المصدرة، وفيما إذا كانت هذه الاصناف ضامنة لنمو مستدام في المستقبل. وفي هذا السياق اعتمدت الدراسة على مؤشر "درجة تعقد الصادرات"، هي درجة المحتوى التقني والجودة للمنتجات المعدة للتصدير. حيث أثبتت التجارب العالمية ان بعض المنتجات قد تقود الى معدلات نمو عالية ومستدامة إذا ما أرتبطت بمستويات عالية من الانتاجية.

هذا وتشير الدراسة الى أن المستوى الحالي من التكنولوجيا المستخدم في العمليات الانتاجية في دبي وكذلك في الصادرات لم تترجم الى مستويات ملموسة من الانتاجية. كما تنوه الدراسة الى ان استخدام التكنولوجيا في الانتاج تعد عملية صعبة نظراً للحاجة الى المعرفة التكنولوجية، كما تعد –من ناحية أخرى- مجازفة بسبب حالة اللايقين المرتبطة بالاستثمار في عمليات البحث والتطوير والتي تعد أساسية لتحسين مستويات الانتاجية ورفع القدرة التنافسية للمنتجات المحلية عالمياً. ورغم ذلك، توصي الدراسة بحتمية التوجه الى تطوير هذه العمليات في مختلف المؤسسات الانتاجية في الامارة لاسيما تلك التي تعد انتاجها للتصدير من أجل مواكبة التطورات الحاصلة في الأسواق العالمية والسعي الى رفع المقدرة التنافسية للمنتجات المحلية في تلك الأسواق.

وأكدت الدراسة أن احدى أهم مقومات التجارة العالمية هي الاكتشافات الجديدة في المنتجات المصدرة، حيث لفتت الى أن الدول التي تسعى الى تحقيق نجاحات في مجال التجارة الخارجية لابد أن تحقق نوع من التفرد والتميز في صادراتها. وفي مقدمة أوجه هذا التميز هو الاكتشافات الجديدة التي تأتي بها المنتجات المصدرة، مثل المواصفات الفنية، وأسلوب التعبئة، اضافة الى طريقة تسويقها، وغيرها. ولهذا السبب، تتنافس الدول المصدرة على أساس درجة الاكتشافات التي تنطوي عليها صادراتها، فمثلاً في عام 2009 جاءت هونج كونج في طليعة دول العالم في هذا المجال، لتأتي بعدها كل من سنغافورة والمغرب في المرتبتين الثانية والثالثة على الترتيب. أما صادرات دبي فقد جاءت في المرتبة الثامنة بينما تقدمت الامارة في المرتبة السادسة على صعيد إعادة الصادرات.

أما بخصوص مرتبة دبي في مجال اكتشاف الصادرات، فرغم انها تقدمت على كل من تايوان والسعودية وهونج كونج وسنغافورة الاّ أنها جاءت بعد كل من المغرب وتركيا.  وتجدر الاشارة في هذا الاطار الى قدرة تركيا على تحقيق انجازات كبيرة في المجال التجاري قاطفة ثمار الإصلاحات الجذرية التي قامت بها خلال السنوات القليلة الماضية، واهتمامها الكبير بتحسين الانتاجية وخاصة في القطاع الصناعي وسعيها لتعزيز مكانتها لتصبح إحدى النمور خلال العقد القادم. أما الانخفاض الحاصل في مرتبة هونج كونج وسنغافورة في مجال الاكتشافات فهو ينسب الى ما وصلاه هاذان الاقتصادان الى مستويات عالية من النضج وتزايد درجة التركز في الاقتصاد.

ولكن السؤال هو مدى فاعلية هذه الاكتشافات؟ فمن خلال تحليل المنتجات المصدرة والمعاد تصديرها من دبي، تبين ان أكثر من نصف الاكتشافات في تجارة إعادة التصدير بدبي تتركز في صناعة المنسوجات، أما بالنسبة للصادرات فتتركز الاكتشافات في الخضروات. أما بقية القطاعات التصديرية مثل المواد الغذايئة، والمنتجات البلاستيكية والمطاط، والنسيج، والمعادن، والمواد الكهربائية والميكانيكية والنقل فقد أخذت درجة واحدة لكل منها في مقياس الاكتشافات.  

أما على مستوى دولة الامارات، أشارت الدراسة الى أن قطاع الخدمات اللوجستية بدولة الامارات بات قطاعاً قيادياً حيث حقق نمواً كبيراً خلال السنوات الماضية. وطبقاً لمؤشر أداء الخدمات اللوجستية، فقد جاءت الامارات في المرتبة 20 على المستوى العالمي (المؤشر 3.73) لتتفوق على دول المجلس اضافة الى بعض الاقتصادات الأخرى مثل تايوان. ويعكس هذا المؤشر أداء الخدمات اللوجستية بمختلف مراحلها، بدءً بالاجراءات الجمركية لتخليص البضاعة، مروراً بالنفقات اللوجستية، وكفاءة البنية التحتية، ومتابعة حركة الشحن، وانتهاءً  بوقت وصول الشحنة الى مقاصدها.

وفي الختام، توصلت الدراسة الى عدد من الاستنتاجات حول واقع الصادرات والنمو الاقتصادي لدبي، أهمها ما يلي:-
- ان عملية التنويع الاقتصادي التي قامت بها دبي قد شهدت نجاعاً كبيراً بدلالة قدرتها على الاستجابة للتقلبات التي شهدتها أسعار النفط العالمية طوال العقود الثلاثة الماضية.
- نوهت الدراسة الى أن انتاجية العامل والانتاجية الكلية لعوامل الانتاج لم تنم على نحو واف. فالنمو الحاصل في الامارة مرده، فضلاً عن النمو الذي شهدته بعض القطاعات الرئسية، هو النمو المتراكم في كل من رأس المال والعمالة غير الماهرة.
- ان اجراء مقارنات في مجال النمو بين تجربة دبي وتجارب شبيهة لها مثل سنغافورة ذات دلالات بالغة لجهة رسم الاستراتيجيات المتعلقة بمستقبل اقتصاد الاماراة وخاصة ما يتعلق بـ "فجوة الانتاجية"، هذا بالرغم من أن معظم القطاعات في دبي قد حققت مستويات من الانتاجية على قدم المساواة مع مثيلاتها في سنغافورة.
- بيد أن ثمة فجوة في مجال البنية التحتية للكفاءات المستخدمة في مؤسسات القطاع العام بين دبي وسنغافورة. 
- شهدت الصادرات تطورات ملموسة سواء من الناحية الكمية أو النوعية، بيد أن ثمة حاجة ماسة للمضي قدماً في تطويرها بغية مواكبة التطورات الحاصلة على خريطة التنافسية العالمية.

 

أما أهم التوصيات التي توصلت إليها الدراسة لتعزيز الصادرات والنمو الاقتصادي لدبي، فهي كما يلي:- 
- ضرورة رسم خارطة طريق لمسيرة النمو في دبي تستمد حيويتها من استراتيجية الاقتصاد المبني على المعرفة. وإحدى مقومات هذه الاستراتيجية هي تقوية الرصيد من راس المال البشري وذلك من خلال الاهتمام بقطاع التعليم وسوق العمل، اضافة الى اقامة التجمعات القطاعية الاقتصادية في مختلف المجالات لاسيما في قطاعي الصناعة والمعرفة.
- العمل على رفع المستوى الفني للانتاج وتحسين درجة تعقّد صادرات دبي
- التوصل الى استراتيجية للتصدير تركز على نوعية المنتجات المعدة للتصدير أكثر منه حجم الصادرات المستهدفة.
- اتباع السياسات والخطط التي تعزز من درجة تعقّد الصادرات على نحو يواكب المستويات التي بلغته اقتصادات المدن المشابهة لدبي، مثل هونج كونج وسنغافورة.
- تكثيف عمليات تطوير الصادرات بحيث تستهدف المنتجات ذات القيمة السوقية العالية.
- الانفتاح على شبكة العمليات اللوجستية العالمية من أجل تطوير وتنويع الصادرات المحلية
- العمل على ادخال منتجات محلية جديدة في الصادرات، بما في ذلك الخدمات مثل تلك المرتبطة بقطاع العقارات وغيرها.  v

العودة إلى القائمة