Dubai Government

دراسة لمجلس دبي الاقتصادي عن نمذجة اقتصاد دبي

يوليو 25, 2012


أعد الفريق التنفيذي للأمانة العامة لمجلس دبي الاقتصادي ورقة عمل عن نمذجة الاقتصاد الكلي لدبي.

وتشير الدراسة الى أن "النمذجة" هو أحد الأساليب والأدوات التحليلية للتعرف على سلوكيات وآثار متغيرات أو سياسات اقتصادية معينة. وتكمن الفكرة الرئيسية للنمذجة بأن عالم الاقتصاد يتسم بالتعقيد والتغير، اضافة الى وجود تأثيرات متبادلة فيما بين عناصره ومكوناته، مثلاً العلاقات بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، أو بين المنتج والمستهلك، أو بين المدخلات والمخرجات، وغيرها. وبالتالي تستخدم النمذجة أساساً للتبين من الوضع الاقتصادي الحالي، ودراسة الآثار المترتبة لسياسة اقتصادية معينة على بعض المتغيرات في الاقتصاد كالانتاج والاستهلاك والتصدير. كذلك تفترض الدراسة أنه عادة ما يترتب على السياسات الاقتصادية رابحون وخاسرون، وبالتالي فأن النمذجة تهدف الى زيادة اعداد الرابحون مقابل تدنية عدد الخاسرون، والنتيجة هي تعظيم رفاهية المجتمع. وباقتضاب، يساعد النموذج على معرفة ماذا حدث وما الذي يمكن أن يحدث مستقبلاً على ضوء متغير ما أو سياسة معينة.

وتعود فكرة "النمذجة" الى عام 1960 على يد جوهانسن الذي حاول التعرف على سلوك عدد من المنتجين في كل قطاع. ثم تطورت النماذج خلال السنوات الماضية وأصبح هناك العديد من النماذج التي تخدم أهداف مختلفة مثل نموذج الاقتصاد الكلي، والتوازن العام، والمحاكاة الجزئية، والأمثلية، والمدخل-المنتج، وغيرها. أما في الوقت الحاضر فيعتبر نموذج التوازن العام الحاسوبي (CGE) من أهم أدوات السياسة الاقتصادية الكلية لاسيما للتحليلات متوسطة وطويلة الأمد. ويختلف هذا النموذج عن غيره بأنه يتعامل مع الأرقام المتعلقة بدول أو اقاليم معينة وليست كيانات افتراضية

وتميز الدراسة ثلاثة مسوغات رئيسية لاستخدام نموذج التوازن العام الحاسوبي لتحليل السياسات:
1. التعرف على الآثار المباشرة وغير المباشرة لسياسة معينة، مثلاً تخفيض الضريبة.
2. تعزيز قدرة الباحثين وصناع القرار على التركيز على الصورة الاجمالية للاقتصاد على نحو مفصل، من قبيل تأثير سياسة اقتصادية معينة على وظائف معينة أو على أسر محددة.
3. تفسير نتائج النموذج من دون الاعتماد على النظرية الاقتصادية بحد ذاتها.

النمذجة أداة فاعلة لصناعة القرار الاقتصادي في الامارات
تثير الدراسة تساؤلاً مركزياً فيما إذا كان أسلوب "النمذجة" ضرورياً لاقتصاد الامارات ودبي، وتجيب على هذا التساؤل من خلال التأكيد على حيوية النمذجة لحاضر ومستقبل الاقتصاد المحلي. فعلى سبيل المثال، يمكن من خلال النمذجة معرفة آثار التضخم على حركة الأعمال في دبي، أو آثار الاكتناز على سعر الصرف المثبت بالدولار، أو آثار تنويع مصادر الايرادات العامة، أو مصادر الدخل القومي برمته، أو اقتفاء الآثار المترتبة على سياسة ضريبية معينة، أو آثار التغيرات في السياسة المالية أو التجارية او التكنولوجية، أو تحليل سوق العمل، وغيرها من الضواهر التي تؤثر بالتبعية على أداء الاقتصاد القومي ورفاهية أفراده.
ومن جانب آخر، تفيد الدراسة أن ثمة نماذج مختلفة للنمذجة ذات هياكل مختلفة وتخدم مؤسسات وأهداف معينة، فمن قبيل المثال يمكن تصميم نمذجة للبنك المركزي ذات هيكلية تختلف عن النمذجة المخصصة لمؤسسة عامة أخرى. كذلك يمكن تصميم نماذج خاصة بالأكاديميين وأخرى مخصصة لدوائر صنع القرار، وهكذا. 

 وتشير الدراسة انه لغرض التوصل الى نموذج مناسب وفعال لابد ان يتسم بمجموعة من الخصائص، منها أن يكون مناسباً من حيث ارتكانه على مشاهدات وحقائق واضحة عن المؤسسة التي صمم من أجلها. كما يجب ان يكون النموذج محدث من خلال اعتماده على بيانات حديثة وليست متقادمة، وأيضاً أن يكون ديناميكياً بحيث يتيح لصانع السياسة التنبؤ بما يمكن ان يحدث على أثر سياسة معينة. علاوة على ذلك، لابد من تحديث النماذج ومراجعتها بصورة مستمرة. كما من الضروري أن يتسم النموذج بالشفافية وأن تكون الآليات المتبعة في العمل واضحة.

تطبيقات عالمية لنموذج التوازن العام
 تشير الدراسة الى ان نموذج التوازن العام الحاسوبي قد استخدم في عدد من الاقتصادات المتقدمة. فمثلاً استخدم النموذج في أستراليا لاسيما في ظل توافر عدد من العوامل التي ساعدت على نجاح هذا النموذج، مثلاً قوة المؤسسات الاقتصادية اضافة الى دقة وفعالية النموذج المستخدم. أما أهم التجارب التي خاضتها استراليا في هذا المجال هو تقدير مدى جدوى فرض ضرائب جمركية على وارداتها من أجل حماية الانتاج المحلي.  وقد نجحت استراليا في التوصل الى قرار سليم في هذا الشأن باستخدام النموذج المذكور والذي قضى بفرض ضريبة عالية لحماية صناعات معينة بعد مقارنة التكلفة مع العوائد المترتبة على قرار فرض الضريبة الجمركية.

وفي الولايات المتحدة، تم استخدام نموذج التوان العام الحاسوبي في عام 2004 حينما أقر الرئيس الأمريكي سياسة تستهدف تقليل الاعتماد على الاستيرادات من النفط الخام، وكان الهدف من تلك السياسة هو الاستعاضة بمقدار 25% من النفط المستورد المستخدم في انتاج وقود السيارات بالوقود الحيوي المنتج محلياً وخاصة الإيثانول. وفي بداية الأمر قامت وزارة الطاقة الأمريكية ببناء نموذج لتقدير الطلب على الوقود للفترة 2004-2020 من دون استخدام قرار الرئيس الأمريكي، ومن ثم تم اجراء محاكاة في حال تطبيق القرار المذكور للتعرف على آثار استخدام الوقود الحيوي المنتج محلياً بدلاً من النفط المستورد، وجاءت حصيلة المقارنة باستخدام النموذج عبر مسح شمل 500 قطاع في الولايات المتحدة وجود أثر الاحلال بين نوعي الوقود.

ولم يقتصر استخدام النموذج على الاقتصادات المتقدمة بل شمل بعض الدول النامية والأسواق الناشئة بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط. وعلى مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، تم استخدام النموذج في الكويت في عدد من الحالات أهمها تقييم سيناريوهات التنمية في البلاد وآثارها متوسطة المدى على الاقتصاد الكويتي، اضافة الى تقييم آثار الاصلاحات المالية المقترحة في عام 1999 من قبل الحكومة الكويتية، وغيرها.  كذلك من بين أهم تطبيقات النموذج في الكويت هو اختبار سياسات سوق العمل في كل من الكويت ودولة الامارات. وعلى نحو محدد، جرت محاولة لتقدير نسبة مشاركة العمالة الوطنية في القطاع الخاص، وقد اشارت النتائج الأولية للنموذج بضآلة هذه النسبة. كما توصلت النتائج الى عدد من التوصيات التي تدور حول ضرورة زيادة نسبة عمل المواطنين في كلا البلدين في القطاع الخاص وبحسب القطاعات. هذا وتم استخدام النموذج في السعودية ايضاً.

وتشير الدراسة أيضاً الى أن نموذج التوان العام الحاسوبي قد استخدم في الامارات في عام 2000 للتعرف على آثار سياسات عمل المواطنين في الاقتصاد الوطني. وأوضحت الدراسة أن ثمة نماذج ثلاثة قد استخدمت في الدولة، الأول وقد خصص لقطاع واحد، والثاني شمل ثلاثة قطاعات، والثالث شمل تسع قطاعات. وافادت الدراسة ان هنالك العديد من الطرق التي يمكن من خلالها تطوير النموذج في الامارات. فمثلاً بالامكان تقييم آثار سعر الصرف الحالي على الاقتصاد من خلال التعرف على الأسعار والأجور.

"النمذجة" لاقتصاد دبي
أفردت الدراسة فصلاً عن النمذجة في دبي، وأكدت على ضرورة الاعتماد على عدد محدد من القطاعات ذات الأهمية الكبيرة في اقتصاد الامارة اضافة الى شمول المناطق الحرة. وفي هذا السياق، أفادت الدراسة بأهمية معرفة بعض الحقائق عن هذه المناطق، من قبيل خصائصها الرئيسة، والقوانين التي تنظم عملها. كذلك من التطبيقات الهامة التي يمكن اجراءها باستخدام نموذج التوان العام الحاسوبي هو تقييم حالة الموارد الطبيعية (كالنفط والغاز) في دبي. وتوصي الدراسة بضرورة عدم أخذ دبي بمعزل عن الاقتصاد الاماراتي. كذلك لابد من تقدير ارتباطات دبي مع بقية الامارات، فمثلاً يمكن من خلال النموذج تقدير الآثار المترتبة على عمل الأفراد المقيمين في الشارقة على اقتصاد دبي، وكذلك تقدير التجارة الداخلية لدبي مع بقية الامارات. 

نصائح في استخدام نموذج التوازن العام الحاسوبي
قدمت الدراسة عدداً من التوصيات التي يمكن الأخذ بها من قبل الجهات المختصة في الامارات أو دبي عند استخدام نموذج التوازن العام بصورة فاعلة، منها أن يتم البدأ بتطبيق النموذج على نطاق ضيق، مثلاً تطبيقه على مستوى قطاع معين أو صناعة معينة بدلاً من قطاعات أو صناعات عدة وذلك للتؤكد من جدوى وامكانية عمل النموذج قبل توسيعه. كذلك لابد من التيقن من توافر البيانات حول الظاهرة محل البحث وأن تشترك فيه المراكز الاحصائية الوطنية. كما من الأهمية بمكان التعاطي مع أكثر القطاعات تأثيراً بالاقتصاد المحلي، فمثلاً في حالة اقتصاد دبي يمكن البدأ باستخدام المحاكاة بقطاع التشييد والعقار بوصفه يستاثر بنصيب كبير من النشاط الاقتصادي وبعدد العاملين فيه وحجم الاستثمارات الموظفة فيه وكذلك بسبب ارتباطاته بالعديد من القطاعات مثل التجزئة والمساكن والصناعات والفنادق وغيرها. كذلك لابد أن تتوافر البيانات وبصورة متدفقة وفي وقت مناسب للحيلولة تجنب وجود قطع في سلسلة البيانات اللازم توافرها عند بناء النموذج. هذا وتفيد الدراسة أن تطبيق النموذج بحاجة الى عمل جماعي تشترك فيه مختلف التخصصات كالاقتصاديين والاداريين والمحاسبين والمبرمجين وغيرهم. 

 

العودة إلى القائمة